دراسات إسلاميــــة

 

 

ميراث المرأة بين الحقائق والافتراءات

 

 

بقلم: د. عبد الرحمن بدوى

 

 

 

 

     من الأمور المهمة التي يجب أن تكون حاضرة في ذهن المسلم الواعي، أن مساحة الاجتهاد في فقه المواريث (خاصة) ضيقة، وأحكام المواريث في أغلبها ليست إلا تطبيقًا لنصوص الشارع الحكيم، فالذي قسم تلك الأنصبة هو الله سبحانه وتعالى وعندما استقرأ العلماء هذه التقسيمات. كما يقول الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية زاد يقينهم بالله تعالى، وسبحوا ربهم على حكمه التشريع الرباني، وقالوا: صدق ربنا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ما فَرَّطْنَا فِيْ الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ سورة الأنعام: آية 38).

     وفي هذه الأيام، يتردد كثيرًا قول بعضهم، خاصة في الدول الأوروبية، أن الإسلام ظلم المرأة في الميراث؛ حيث جعل نصيبها في الميراث نصف نصيب الرجل، ونحن المسلمين نؤمن بثوابت راسخة من صفات الله تعالى، مما تجعل تلك الشبهة لاتطرأ على قلب أي مسلم أو مسلمة؛ حيث تتمثل تلك الثوابت في أن الله سبحانه حكم عدل، وأن عدله عدَل مطلق، وليس في شرعه ظلم لبشر أو لأي أحد من خلقه، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ سورة الكهف: آية 49، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يُظْلَمُوْنَ فَتِيلاً﴾ سورة النساء: آية 49، وقوله تعالى: ﴿وأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ سورة الحج: آية10، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ العنكبوت: آية40، وقوله تعالى: ﴿إِنّ اللهَ لاَيَظْلِم مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ سورة النساء: آية 40، وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ سورة النساء: آية 124، وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ سورة التوبة: آية 70.

     وبعد ذكر هذه الآيات التي تدل في مجملها على أن الله تعالى حكم عدل بين الناس جميعًا، غير أن الفروق في أنصبة المواريث هي أساس قضية المواريث في الفقه الإسلامي؛ حيث لا تختلف الأنصبة في المواريث طبقًا للنوع، وإنما تختلف هذه الأنصبة طبقًا لثلاثة معايير هي:

     المعيار الأول درجة القرابة بين الوارث والمورث: ذكرًا كان أو أنثى، فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث، وكلما ابتعدت الصلة قلّ النصيب بالتالي في الميراث، دونما أي اعتبار لجنس الوارثين، فنجد البنت الواحدة ترث نصف تركة أمها (وهي أنثى) بينما يرث أبوها ربع التركة (وهو ذكر وذلك لأن الإبنة أقرب من الزوج لأمها، فزاد الميراث لهذا السبب.

     المعيار الثاني موقع الجيل الوارث: فالأجيال التي تستقبل الحياة، وتستعد لتحمل أعبائها، عادة يكون نصيبها في الميراث، أكبر من نصب الأجيال التي تستدبر الحياة، وتتخفف من أعبائها، حيث تصبح أعباؤها في العادة مفروضة على غيرها، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين والوارثات: فبنت المتوفى ترث أكثر من أمه، وكلتاهما أنثى، وترث بنت المتوفى أكثر من أبيه أيضًا، وذلك في حالة وجود أخ لها.

     المعيار الثالث: العبء المالي: وهذا المعيار هو الوحيد الذي يثمر تفاوتًا بين الذكر والأنثى؛ لكنه تفاوت لا يقضي إلى أي ظلم للأنثى، أو انتقاص من إنصافها؛ بل ربما كان العكس هو الصحيح، ففي حالة ما إذا اتفق وتساوى الوارثون في العاملين الأوَّلين وهما (درجة القرابة، وموقع الجيل) مثل أولاد المتوفى، ذكورًا وإناثًا، يكون تفاوت العبء المالي، هو السبب في التفاوت في أنصبة الميراث ولذلك لم يعمم القرآن الكريم هذا التفاوت بين الذكر والأنثى في عموم الوارثين، وإنما حصره في هذه الحالة بالذات، والحكمة في هذا التفاوت ترجع إلى أن الذكر هنا مكلف بإعالة أنثى (هي زوجة) مع أولادهما، بينما الأنثى الوارثة أخت الذكر إعالتها مع أولادها، فريضة على الذكر المقترن بها.

     فهي، مع هذا النقص في ميراثها بالنسبة لأخيها الذي ورث ضعف ميراثها أكثر حظاً وامتيازًا منه في الميراث، فميراثها مع إعفائها من الإنفاق الواجب، هو ذمة مالية خالصة ومدخرة، لجبر الاستضعاف الأنثوي، ولتأمين حياتها ضد المخاطر والتقلبات، وهذه حكمة إلهية قد تخفى على الكثيرين.

     ومن أعباء الرجل المالية، نذكر منها:

     1 الرجل عليه أعباء مالية منذ بداية حياته الزوجية، وارتباطه بزوجته، فيدفع المهر، يقول الله تعالى : ﴿وآتُو النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة﴾ سورة النساء: آية 4.

     ومعروف أن المهر، التزام مالي يدفعه الرجل للمرأة، وهو من تشريعات بداية الحياة الزوجية، والمرأة تتميز عن الرجل؛ حيث إنه ليس من حقه أن يطالب بمهر من المرأة، إذا أرادت أن تتزوج منه.

     2 الرجل بعد الزواج ينفق على المرأة، وإن كانت تمتلك من الأموال مالاً يمتلكه هو، فليس من حقه أن يطالبها بالنفقة على نفسها، فضلاً عن أن يطالبها بالنفقة عليه؛ لأن الإسلام ميزها، وحفظ مالها، ولم يوجب عليها أن تنفق منه.

     3 الرجل مكلف كذلك بالإنفاق على الأقرباء وغيرهم، ممن تجب عليه نفقته، حيث يقوم بالأعباء العائلية والالتزامات الاجتماعية التي يقوم بها المورث باعتباره جزءًا منه، أو امتدادًا له، أو عاصبًا من عصبته.

     وبهذا الاعتبار نجد أن الإسلام أعطى المرأة نصف الرجل في الدخل المحدود الوارد، وكفل لها الاحتفاظ بهذا الدخل دون أن ينقص سوى من حق الله تعالى في المال كالزكاة.

     أما الرجل فأعطاه الله الدخل الأكبر وطلب منه أن ينفق على زوجته وأبنائه ووالديه إن كبرًا في السن وكذلك من تلزمه نفقته من ذوي الأرحام والخدم.

     ولذلك حينما تتخلف قضية العبء المالي، كما هو الحال في شأن توريث الإخوة والأخوات لأم، نجد أن الشارع الحكيم، قد سوى بين نصيب الذكر، ونصيب الأنثى منهم في الميراث، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُّوْرَثُ كَلالةً أو امْرَأةٌ وَّلَه أخٌ أو أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُما السُّدُسُ فَإنْ كَانُوا أكْثَرَ مِنْ ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ سورة النساء: آية 12.

     فالتسوية هنا بين الذكور والإناث في الميراث، ترجع إلى أن أصل توريثهم هنا الرحم، وليسوا عصبة لمورثهم، حتى يكون الرجل امتدادًا له من دون المرأة، فليست هناك مسؤوليات ولا أعباء تقع على كاهله بهذا الاعتبار.

     وباستقراء حالات ومسائل الميراث انكشف لبعض العلماء والباحثين حقائق مذهلة، حيث ظهر التالي:

     أولاً: هناك أربع حالات فقط، ترث المرأة نصف الرجل مثل:

     1 البنت مع إخوانها الذكور، وبنت الابن مع ابن الابن.

     2 الأب والأم، ولا يوجد أولاد، ولا زوج أو زوجة.

     3 الأخت الشقيقة مع إخوانها الذكور.

     4 الأخت لأب مع إخوانها الذكور.

     ثانياً الحالات التي ترث فيها المرأة مثل الرجل هي:

     1 الأب والأم في حالة وجود ابن الابن.

     2 الأخ والأخت لأم.

     3 أخوات مع الإخوة، والأخوات لأم.

     4 البنت مع عمها، أو أقرب عصبة للأب (مع عدم وجود الحاجب في الميراث).

     5 الأب مع أم الأم، وابن الابن.

     6 زوج وأم، وأختان لأم، وأخ شقيق على قضاء سيدنا عمر رضي الله عنه فإن الأختين لأم، والأخ الشقيق شركاء في الثلث.

     7 انفراد الرجل أو المرأة بالتركة، بأن يكون هو الوارث الوحيد، فيرث الابن إن كان وحده التركة كلها تعصيبًا، والبنت ترث النصف فرضاً، والباقي ردًا، وذلك لو ترك أبًا وحده، فإنه سيرث التركة كلها تعصيبًا، ولو ترك أما فسترث الثلث فرضاً، والباقي ردًا.

     8 زوج مع الأخت الشقيقة، فإنها ستأخذ ما لو كانت ذكرًا، بمنى لو تركت المرأة زوجًا وأخاً شقيقًا، فسيأخذ الزوج النصف، والباقي، والأخت النصف أيضاً.

     9 الأخت لأم مع الأخ الشقيق، وهذا إذا تركت المرأة زوجاً، وأماً، وأختًا لأم، وأخاً شقيقًا، فسيأخذ الزوج النصف، والأم السدس، والأخت لأم السدس، والباقي للأخ الشقيق تعصيبًا، وهو السدس.

     10 ذوو الأرحام وهي حالة أهل الرحم المعمول بها في القانون المصري في المادة 31 من القانون رقم 77 لسنة 1943م، وذلك في حالة مالم يكن هناك أصحاب فروض، ولاعصبة، فإن ذوي الأرحام هم في هذه الحالة الورثة، ولذلك تقسم التركة بينهم بالتساوي، كأن يترك المتوفى (بنت بنت، وابن بنت، وخال وخالة) فكلهم يرثون نفس الأنصبة.

     11 هناك ستة أشخاص لا يحجبون حجب حرمان أبدًا، وهم ثلاثة من الرجال، وثلاثة من النساء، فمن الرجال (الزوج والابن والأب) ومن النساء (الزوجة والبنت والأم).

     ثالثاً: حالات ترث أكثر من الرجل نذكر منها:

     1 الزوج مع ابنته الوحيدة.

     2 الزوج مع ابنتيه.

     3 البنت مع أعمامها.

     4 إذا ماتت امرأة، والورثة هم (زوج وأب وأم وبنتان).

     5 لو ماتت امرأة، وتركت زوجاً وأباً وأماً وبنتاً.

     6 إذا ماتت امرأة وتركت زوجاً وأماً وأختاً شقيقة.

     7 لو ترك رجل (زوجة وأباً وأماً وبنتًا وبنت ابن).

     رابعاً حالات ترث فيها المرأة، ولا يرث نظيرها من الرجال هي:

     1 لو ماتت امرأة وتركت: زوجاً وأباً وأماً وبنتًا وبنت أم.

     2 لو تركت امرأةً: زوجاً وأختًا شقيقة وأختًا لأب.

     3 ميراث الجدة، فكثيرًا ما ترث الجدة، ولا يرث نظيرها من الأجداد.

     4 لو مات شخص وترك: (أب، أم، وأم أم).

     5 لو مات شخص وترك (أب أم أم، وأم أم أم) فتأخذ أم أم الأم التركة كلها.

     ولذلك نجد أن هناك أكثر من ثلاثين حالة، تأخذ فيها المرأة مثل الرجل، أو أكثر منه، أو ترث هي، ولا يرث نظيرها من الرجال، في مقابل أربع حالات فقط محددة، ترث فيها المرأة نصف الرجل.

     وبعد هذا العرض لمسألة الميراث، نجد أن الشبهة قد زالت بعد هذه التوضيحات لكل منصف صادق مع نفسه، حيث إن الله تعالى لم يظلم أحدًا من خلقه، وكفى بالله حسيبًا.

*  *  *

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دارالعلوم ديوبند ، شعبان  1432هـ = يوليو 2011م ، العدد : 8 ، السنة : 35